محمد بن جرير الطبري

57

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

هؤلاء اليهود فيما أخبرناك أنا حرمنا عليهم وحللنا لهم كما بينا في هذه الآية ، فقل : ربكم ذو رحمة بنا وبمن كان به مؤمنا من عباده وبغيرهم من خلقه ، واسعة ، تسع جميع خلقه المحسن والمسئ ، لا يعاجل من كفر به بالعقوبة ولا من عصاه بالنقمة ، ولا يدع كرامة من آمن به وأطاعه ولا يحرمه ثواب عمله ، رحمة منه بكلا الفريقين ؛ ولكن بأسه ، وذلك سطوته وعذابه ، لا يرده إذا أحله عند غضبه على المجرمين بهم عنهم شيء . والمجرمون هم الذين أجرموا فاكتسبوا الذنوب واجترحوا السيئات . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَإِنْ كَذَّبُوكَ اليهود . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَإِنْ كَذَّبُوكَ اليهود ، فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : كانت اليهود يقولون : إنما حرمه إسرائيل يعني : الثرب وشحم الكليتين فنحن نحرمه ، فذلك قوله : فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ . القول في تأويل قوله تعالى : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا يقول جل ثناؤه : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وهم العادلون بالله الأوثان والأصنام من مشركي قريش : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا يقول : قالوا احتجارا من الإذعان للحق بالباطل من الحجة لما تبين لهم الحق ، وعلموا باطل ما كانوا عليه مقيمين من شركهم ، وتحريمهم ما كانوا يحرمون من الحروث والأنعام ، على ما قد بين تعالى ذكره في الآيات الماضية قبل ذلك : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً وما بعد ذلك : لو أراد الله منا الإيمان به وإفراده بالعبادة دون الأوثان والآلهة وتحليل ما حرم من البحائر والسوائب وغير ذلك من أموالنا ، ما جعلنا لله شريكا ، ولا جعل ذلك له آباؤنا من قبلنا ، ولا حرمنا ما نحرمه من هذه الأشياء التي نحن على تحريمها مقيمون ؛ لأنه قادر على أن يحول بيننا وبين ذلك ، حتى لا يكون لنا إلى فعل شيء من ذلك سبيل ، إما بأن يضطرنا إلى الإيمان وترك الشرك به وإلى القول بتحليل ما حرمنا ؛ وأما بأن يلطف بنا بتوفيقه فنصير إلى الإقرار بوحدانيته وترك عبادة ما دونه من الأنداد والأصنام ، وإلى تحليل ما حرمنا . ولكنه رضي منا ما نحن عليه من عبادة الأوثان والأصنام ، واتخاذ الشريك له في العبادة والأنداد ، وأراد ما نحرم من الحروث والأنعام ، فلم يحل بيننا وبين ما نحن عليه من ذلك . قال الله مكذبا لهم في قيلهم : إن الله رضي منا ما نحن عليه من الشرك وتحريم ما نحرم ، ورادا عليهم باطل ما احتجوا به من حجتهم في ذلك : كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يقول : كما كذب هؤلاء المشركون يا محمد ما جئتهم به من الحق والبيان ، كذب من قبلهم من فسقة الأمم الذين طغوا على ربهم ما جاءتهم به أنبياؤهم من آيات الله وواضح حججه ، وردوا عليهم نصائحهم . حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا يقول : حتى أسخطونا فغضبنا عليهم ، فأحللنا بهم بأسنا فذاقوه ، فعطبوا بذوقهم إياه ، فخابوا وخسروا الدنيا والآخرة ، يقول : وهؤلاء الآخرون ، مسلوك بهم سبيلهم ، إن هم لم ينيبوا فيؤمنوا ويصدقوا بما حسهم به من عند ربهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال